فخر الدين الرازي

450

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : ذكروا في انتصاب يَوْمَ وجهين : الأول : أن العامل ما دل عليه لا بُشْرى أي يوم يرون الملائكة ( يبغون البشرى ) « 1 » و يَوْمَئِذٍ للتكرير الثاني : أن التقدير اذكر يوم يرون الملائكة . المسألة الثانية : اختلفوا في ذلك اليوم ، فقال ابن عباس يريد عند الموت ، وقال الباقون يريد يوم القيامة . المسألة الثالثة : إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالا مضلا إلا أنه يعتقد في نفسه أنه كان هاديا مهتديا ، فكان يطمع في ذلك الثواب العظيم ، ولأنهم ربما عملوا ما رجوا فيه النفع كنصرة المظلوم وعطية الفقير وصلة الرحم ، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم في أول الأمر يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة ، وذلك هو النهاية في الإيلام وهو المراد من قوله : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] . المسألة الرابعة : حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم ، لكنه قال لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان : أحدهما : أنه ظاهر في موضع ضمير والثاني : أنه عام فقد تناولهم بعمومه ، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو لأن قوله : لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ نكرة في سياق النفي فيعم جميع أنواع البشرى في جميع الأوقات بدليل أن من / أراد تكذيب هذه القضية قال بل له بشرى في الوقت الفلاني ، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية ، علمنا أن قوله تعالى : لا بُشْرى يقتضي نفي جميع أنواع البشرى في كل الأوقات ، ثم إنه سبحانه أكد هذا النفي بقوله : حِجْراً مَحْجُوراً والعفو من اللَّه من أعظم البشرى ، والخلاص من النار بعد دخولها من أعظم البشرى ، وشفاعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين ، والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم غير مرة ، قال المفسرون المراد بالمجرمين هاهنا الكفار بدليل قوله : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [ المائدة : 72 ] . المسألة الخامسة : في تفسير قوله : حِجْراً مَحْجُوراً ذكر سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ اللَّه وقعدك [ اللَّه ] « 2 » وعمرك [ اللَّه ] ، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو [ موتور ] أو هجوم نازلة ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ، قال سيبويه : يقول الرجل للرجل ( يفعل ) « 3 » كذا وكذا فيقول حجرا ، وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من اللَّه أن يمنع المكروه فلا يلحقه ، فكان المعنى أسأل اللَّه أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد ، فإن قيل : لما ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه بكونه محجورا ؟ قلنا : جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا ( ذبل ذابل فالذبل ) « 4 » الهوان وموت مائت وحرام محرم . المسألة السادسة : اختلفوا في أن الذين يقولون حجرا محجورا من هم ؟ على ثلاثة أقوال : القول الأول :

--> ( 1 ) في الكشاف ( يمنعون البشرى أو يعدمونها ) 3 / 88 ط . دار الفكر . ( 2 ) زيادة من الكشاف 3 / 88 ط . دار الفكر . ( 3 ) في الكشاف ( أتفعل ) . ( 4 ) في الكشاف ( ذيل ذائل والذيل ) .